أسئلة أجاب عليها الدكتور بهاء الأمير 11

ما سر ارتباط القباليين بالأندلس العربية؟ و لماذا كانو يتجمعون فيها بكثافة دونا عن دول الشرق و اوروبا؟

يقول دكتور بهاء الأمير:”

1-قبل الفتح العربي الإسلامي كان اليهود متناثرين في مدن شبه جزيرة إيبيريا, وفي المدن الكبيرة كان القوط الغربيون يجعلونهم في تجمعات خارج أسوار المدينة, وبعد الفتح العربي في أواخر القرن الأول الهجري/ الثامن الميلادي, ومع تطبيق احكام الإسلام في شأن أهل الذمة عليهم استقر اليهود داخل المدن الكبرى وكونوا أحياء خاصة بهم في داخلها وتعرف باسمهم, وهي تختلف عن الجيتو في الغرب لأنهم كونوها اختياراً ومتابعة لما فعلته القبائل العربية التي انتقلت للأندلس واستقرت فيها ثم كونت فيها أحياء بأسمائها

2- مع الوقت وازدهار أحوال اليهود في مدن الأندلس خصوصاً مع تأسيس الخلافة الأموية في الأندلس هاجرت جماعات كبيرة من اليهود من بقاع مختلفة إلى الأندلس واستوطنوا مدنها وصارت بعض المدن الكبرى مثل غرناطة تشتهر بأنها مدينة اليهود, وواكب ذلك اشتغال اليهود في المجالات الرئيسية والأنشطة التقليدية التي يتسللون إليها ويسيطرون عليها في أي مكان يحلون فيه عبر التاريخ, فكانوا يسيطرون على التجارة بين مدن الاندلس ويكادون يحتكرون التجارة الدولية الآتية من الشرق عابرة الأندلس إلى الغرب , وبالعكس, بالتنسيق مع يهود الشرق ويهود أوروبا, ومن المهن التي برع فيها يهود الأندلس, ويسعون عبر التاريخ وفي كل مكان لاحتكارها الطب, لأنه باب للتأثير في عموم الناس واستمالة قلوبهم, والأهم لأنه يجعلهم قريبين من قلوب الملوك وذوي النفوذ ومن آذانهم, وذلك طبقاً لوصايا الربانيين التي يتوارثونها لتخفيف ما حكم الإله عليهم به في الكتب التي أنزلت على أنبيائهم, وهو الحكم عليهم بأن تكون حياتهم وبقاءهم في أن” يتوكلوا على ضاربهم”, وهي الوصية التي نقلها بعد ذلك الربي إسحق أبرافانيل من الأندلس أواخر عهدها إلى يهود إيطاليا ووسط أوروبا, وبسببها كاد اليهود يحتكرون مهنة الطب وتعليمه في عصر النهضة وإلى يومنا هذا

3-مع انهيار الخلافة وبداية عصر ملوك الطوائف أواخر القرن الرابع الهجري/ أوائل الحادي عشر الميلادي اكتسب اليهود نفوذاً واسعاً وعهد إليهم كثير من ملوك الطوائف بجباية الضرائب وتنظيم المالية وصار منهم وزراء وتسلطوا على شؤون العامة في مقابل تدبير الأموال للأمراء, ومن أشهر هؤلاء صمويل هاليفي أو إسماعيل بن النغريلة وزير حبوس بن العريف أمير غرناطة, وابنه يوسف من بعده, وكذلك حسداي بن يوسف وزير المقتدر بن هود أمير سرقسطة, وأمثالهم كثير

4- واكب اجتماع اليهود في الأندلس واستقرارهم ثم ما اكتسبوه من نفوذ ازدهار التعليم بينهم وتصنيف الكتب الدينية والأدبية والعمل على بعث وتنقيح اللغة العبرية, وكان إحدى ثمار ذلك تدوين النصوص القبالية وظهورها في الاندلس مكتوبة لأول مرة في التاريخ, ثم مع حركة يهود الاندلس شمالاً وجنوباً انتقلت هذه النصوص وانتشرت أفكارها في جنوب فرنسا ثم في إيطاليا ووسط اوروبا, وصارت على يد أسرة دي مديتشي ولاستقطابها للقباليين وسيطرة يهود إيطاليا على الطباعة وحركة المطابع والأفكار الينبوع الذي انفجرت منه وتكونت حوله أفكار عصر النهضة, وفي الوقت نفسه انتقلت القبالاه نصوصاً وأفكاراً من الأندلس جنوباً إلى المغرب والغرب الإسلامي وكونت بؤراً في مدنها خصوصاً مدينة فاس, وهذه البؤر هي التي انسابت منها القبالاه المعربة والمموهة إلى الشرق في صورة الأفكار الباطنية و الطلاسم واعمال السحر واستحضار الجان لتوازي البؤرة الأولى والمستقرة من قبل ظهور الإسلام في بابل وفارس وما حولها

5-رأينا الذي قلناه من قبل أن القبالاه أفكاراً وعقائد وممارسات موجودة وراسخة في التاريخ من قبل ظهور النصوص القبالية في الأندلس بمئات السنين, وأن الذي حدث في الأندلس مع استقرار اليهود فيها وأمانهم من الملاحقة والاضهاد وازدهار التدوين والكتابة بينهم أنه تم تنقيح الأفكار والعقائد القبالية وتحريرها في هذه النصوص وتجهيزها لكي تنتقل إلى الغرب, فالأندلس في الحقيقة هي القنطرة الثانية والرئيسية التي انتقلت عبرها القبالاه ونشاط الحركات السرية إلى أوروبا, بعد القنطرة الأولى التي هي الحروب الصليبية”

إقرأ المزيد